محمد متولي الشعراوي

3916

تفسير الشعراوى

لأنه يريد أن يلف تبييته حتى لا يكشف عنه ، وما دام يفعل ذلك فاعلم من أول الأمر أنه ضعيف التكوين ؛ لأنه لو لم يعلم ضعف تكوينه لما مكر لأن القوى لا يمكر أبدا ، بل يواجه ، ولذلك يقول الشاعر : وضعيفة فإذا أصابت فرصة * قتلت كذلك قدرة الضعفاء والضعيف عندما يملك فهو يحدث لنفسه بأن هذه فرصة لن تتكرر ، فيجهز على خصمه خوفا من الا تأتى له فرصة أخرى ، لكن القوى حين يأتي لخصمه فيمسكه ثم قد يحدث نفسه بأن يتركه ، وعندما يرتكب هذا الخصم حماقة جديدة فيعاقبه . إذن فلا يمكر الا الضعيف . والحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة يتكلم عن المجرمين من أكابر الناس ، أي الذين يتحكمون في مصائر الناس ، ويفسدون فيها ولا يقدر أحد أن يقف في مواجهتهم . وهناك كثير من الآيات تتعلق بهذه المسألة ، وبعضها وقع فيه الجدل والخلاف ، ومن العجيب أن الخلاف لم يصفّ ، وكل جماعة من العلماء يتمسكون برأيهم . وهذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها تلتقى مع القول الحق : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) [ سورة الإسراء ] وهذه الآية فيها اشكال ، وقامت بسببها معركة بين العلماء ؛ فنجد منهم من يقول : وكيف يأمر اللّه أناسا بالفسق ؟ . وحاولوا أن يجدوا تأويلا لذلك فقالوا : إن الحق قد قسر وأجبر أكابر هؤلاء الناس على الفسق . والجانب الثاني من العلماء قالوا : لا ، إن الحق لا يقسر البشر على الفسق ، بل على الإنسان حين يقرأ كلمة أمر اللّه في المنهج فلابد أن يعرف أن هذا الأمر عرضة لأن يطاع وعرضة لأن يعصى ؛ لأن المأمور - وهو المكلف - صالح أن يفعل ، وصالح الا يفعل ، وأن الآمر قد أمر بشئ ، والمأمور له حق الاختيار ؛ وبذلك تجد أكابر القوم إنما استقبلوا أمر اللّه بالعصيان ؛ لأن الحق هو القائل : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ . . ( 5 ) [ سورة البينة ]